الشيخ عبد الغني النابلسي
95
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
العناصر الأربعة ( و ) بالحجب ( النورية ) أيضاف عن أهل اليقظة ( وهي ) ، أي الحجب النورية ( الأرواح اللطيفة والعقول والنفوس وعالم الأمر والإبداع ) المنبعثة عن النور الأوّل بلا واسطة ، وهذه الحجب وردت في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن للّه سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات نور وجهه ما أدركه بصره من خلقه » « 1 » . وورد في حديث آخر : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « سألت جبرائيل : هل ترى ربك قال : إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور لو رأيت أدناها لاحترقت » « 2 » . وفي حديث آخر : « إن دون يوم القيامة سبعين ألف حجاب » « 3 » . وحقيقة الحجاب في حق اللّه تعالى كمال النور الحقيقي فإن الخفافيش إذا نظرت إلى نور الشمس لم تدرك منها غير الظلمة في بصرها فتحجب عنها الشمس بما أدركته من الظلمة ، والشمس غير منحجبة عنها في الحقيقة بل هي منحجبة عن الشمس بضعف بصرها كما قال تعالى : إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] . وانقسمت الحجب إلى ظلمانية ونورانية باعتبار قرب الحجب إلى اللّه تعالى وبعدها عنه ، فعالم الأنوار الذي هو عالم الأرواح حجبه قريبة إلى اللّه تعالى لظهوره عنه تعالى بلا واسطة بينه وبينها سوى الأمر الأقدس كما قال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . وعالم الظلمات الذي هو عالم الأجسام بعيد عن اللّه تعالى لظهوره عنه تعالى بواسطة عالم الأنوار ( و ) قد خلق اللّه تعالى ( العالم ) ، أي الإنسان الكبير ( بين كثيف ) جسماني ( ولطيف ) روحاني واللطيف حجاب الكثيف ( وهو ) ، أي العالم الجامع الكثيف واللطيف ( عين الحجاب على نفسه ) التي هي من ورائه كثيفة ولطيفة وهي حقيقة الحضرة من حضرات ربه المتجلي بها عليها ( فلا يدرك الحق ) تعالى أبدا مثل ( إدراكه نفسه ) إن أدرك نفسه ، لأن ربه محجوب عنه بنفسه ، فلو زال الحجاب زالت نفسه ، ولو زالت نفسه زال المدرك ، فلا مدرك فمن يدرك الحق غير الحق .
--> ( 1 ) ورد بلفظ : « إن اللّه عز وجل دون سبعين ألف حجاب من نور وظلمة وما يسمع من نفس شيئا من حس تلك الحجب إلا زهقت » رواه الطبراني في الكبير ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد برقم ( 5802 ) [ 6 / 148 ] ورواه عنه أيضا أبو يعلى في المسند ، باب الألف ، حديث رقم ( 82 ) [ 1 / 90 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، من اسمه محمد ، حديث رقم ( 6407 ) [ 6 / 278 ] ، والديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب عن أنس بن مالك برقم ( 3411 ) [ 2 / 312 ] . ( 3 ) أورده المناوي في فيض القدير ، حرف السين [ 4 / 78 ] .